عبد الوهاب الشعراني
42
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ فعل سيدي على الخواص في المساجد : ] وكان كنس المساجد المهجورة بمصر من وظائف سيدي علي الخواص ، فكان يكنسها ويكنس أسطحتها ومجاري ميضأتها وكراسي أخليتها ، وكان يتفقدها يوم الخميس ويوم الجمعة ، فيخرج في صلاة الصبح فلا يرجع إلا بعد المغرب احتسابا للّه تعالى ، وكذلك كان من وظيفته كنس مقياس الروضة بمصر ، كان يكنسه ثاني يوم نزول النقطة ويكنس الطين الذي في سلمه ويجرده بالحديد ويحمل منه قفة عظيمة يفرقها على خوابي الماء على نية التبرك ، وكان عليه سؤال اللّه تعالى في اطلاعه النيل كل سنة ، فكان يكون في ليلة تنزل النقطة كأنه حامل حملا عظيما على ظهره حتى يوفي البحر وتنقطع جسوره فيتحول لحملة ري البلاد ، فإذا رويت تحول لحملة كمال الزرع وختامه من غير آفات تلحقه فلا يزال كذلك حتى يحصد الزرع وكان من دعائه : اللهم منّ علينا وعلى الأنعام بختام الزرع ولا تعذبنا بغلائه . فإذا طلع القمح وغيره إلى الحواصل تحوّل لعدم تسويسه فلا يزال كذلك إلى نزول النقطة هكذا كان شأنه على الدوام ، ويقول : الملوك فمن دونهم محتاجون إلى اللقمة وإلى التبن لبهائمهم ، وما زاد على ذلك من الشهوات أمره سهل رضي اللّه تعالى عنه ، فإياك يا أخي وتقذير المساجد ثم إياك ، واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان : « أنّ امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد أي تكنسه ، ففقدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسأل عنها بعد أيّام فقيل له إنّها ماتت فقال : فهلا آذنتموني فأتى قبرها فصلّى عليها » . وفي رواية لابن ماجة : « أنّها كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد » . وفي رواية للطبراني : « أنّها كانت تلتقط القذى من المسجد ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إنّي رأيتها في الجنّة بلقطها القذى من المسجد » . وروى أبو الشيخ الأصفهاني : « أنّها أجابت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم من القبر لمّا صلّى عليها وسألها : ما وجدت من العمل أفضل ؟ فقالت : وجدت أفضل الأعمال قمّ المساجد » . قلت : مرادها بأفضل الأعمال أي في حق نفسها ، فلا ينافي ذلك من رأى أفضل الأعمال غير ذلك لأنه في حق نفسه كذلك وهكذا ، واللّه تعالى أعلم . وروى الطبراني مرفوعا : « ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها ، فمن بنى للّه مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنّة ، فقال رجل يا رسول اللّه وهذه المساجد الّتي تبنى في الطّريق قال : نعم ، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين » . وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم : « عرضت عليّ أجور أمّتي حتّى القذاة يخرجها الرّجل المسلم من المسجد » . وروى الترمذي وغيره : « أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نتّخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظّفها » .